دمشق فيحاء الشام.. لؤلؤة الشرق
- في دمشق الشام يشرق الحب وتغرد طيور السلام
- دمشق عروس المدائن مليكة العرائس متوهجة مثل صبايا النجوم والأقمار
--------------------------------------------
.. لك يا دمشق الشآم يعود الانتماء ويطيب بين ربا حناياك اللقاء ولك وحدك يا دمشق الشآم يشمخ التاريخ ويأتيك بهياً متدثراً بمعاطف شيمك العصماء بكل زهاء وكبرياء..
... لك يا دمشق الشآم يشرق الحب في كل فضاء وتزغرد طيور السلام في كل سماء وأنت كالأتقياء تعطرين مروج الحياة بقناديل الأمان وتفرشين على بساط الحق أسمى العطاء..
.. هكذا أنت يا دمشق.. هكذا أنت وما زلت ولأجلك يا مدينة الاستمرار.. يا صانعة القرار.. يا عروس المدائن ومليكة العرائن.. لأجلك تتوهج الأداءات وتتوالى الاجتهادات كي تستمري على مدار ملايين السنوات متوهجة مثل صبايا النجوم والأقمار.. مذهبة بألوان الثبات والبقاء.. مكحلة بالمسك والعنبر مزنرة بالصفاء في كل يوم وشهر وعام بل في كل صبح وعشية ومساء...
تشتهر دمشق العاصمة السورية بأنها أقدم مدينة في العالم ظلت عامرة ومأهولة باستمرار ومن هناك كانت الأسماء التي لقبت بها فهي كثيرة ومتنوعة بكثرة الحضارات التي تعاقبت عليها وبسبب المكانة العلمية والثقافية والدينية والسياسية والفنية والتجارية والصناعية التي احتلتها على مر العصور: فهي الفيحاء والشام وجلق ولؤلؤة الشرق كما سماها الإمبراطور جوليان ويقول البعض إنها (إرم ذات العماد التي لميخلق مثلها في البلاد) التي ذكرت في القرآن الكريم.
ومن أهم الإشارات إلى دمشق تلك التي جاءت في ألواح إيبلا التي أكدت أن (دامسكي) أي دمشق كانت موجودة في الألف الثالث قبل الميلاد لحاضرة ذات نفوذ اقتصادي واسع كما أن الوثائق الفرعونية القديمة ذكرت باسم (دمشق) ولكن الظهور القوي لدمشق كان في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد عندما أصبحت لمملكة آرامية تحت اسم (دارميسق) والآراميون هم من العرب الشماليين وهم سكان دمشق الأصليون ويتكلمون اللغة العربية الشمالية التي تسمى اليوم (السريانية) وما زال العديد من قرى المناطق المجاورة لدمشق والأنهار فيها يحمل أسماء آرامية حتى وقتنا الحاضر.
إلا أن دمشق لم تعرف مجدها الحقيقي إلا حين أصبحت عاصمة الدولة العربية الأولى أيام الأمويين عام 661م وبذلك بدأ عهدها الذهبي وأصبحت طوال قرن مركز إشعاع للدولة العربية الإسلامية الفتية التي بلغت آنذاك أقصى اتساعها إذ امتدت من شواطئ الأطلسي وجبال البيرينه غرباً إلى نهر الأندوس وتخوم الصين شرقاً، وقد اهتم الأمويون بعمران المدينة وتنظيم أسواقها وأحيائها وغوطتها وإقامة القصور والمشافي.
لكن دمشق وبعد نهاية العصر الأموي راحت تمر بسلسلة من فترات الهبوط والصعود حسب الأيدي التي كانت تتغلب عليها فقد عرفت الكوارث والدمار كما عرفت الازدهار والعمران في عهود العباسيين والفاطميين والسلاجقة والأتابكة والأيوبيين والمماليك والعثمانيين والفرنسيين. وحين جاء الاستقلال عام 1946 بدأت دمشق تستعيد مكانتها كمركز إشعاع قومي وحضاري في الوطن العربي حتى سميت بحق (قلب العروبة).
الجولة السياحية في دمشق:
تتميز دمشق بالكثير من الأوابد والكنوز الأثرية الثمينة ذات القيمة التاريخية والحضارية والمعمارية، ومن الصعب جداً حصر وتعداد جميع الأماكن والمعالم الهامة التي يجب أن يراها الزائر.. فدمشق تكاد تكون كلها متحفاً لجميع حقب التاريخ التي مرت عليها خلال آلاف السنين.
ولعل البيمارستان القيمري أحد أبرز هذه المعالم الأثرية، والذي كان له دور كبير في الرعاية الصحية الشاملة.
والبيمارستان القيمري من أشهر الآثار العربية الإسلامية الباقية، ليس في دمشق بل أيضاً في العالم الإسلامي.. حيث لا يزال يحتفظ بالكثير من عناصره المعمارية والزخرفية والكتابية، ويعد مثلاً حياً معبراً عن التقدم العلمي والحضاري للعرب المسلمين.
منشئ البيمارستان:
شيده وأوقفه الأمير سيف الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن أبي الفوارس. ابن موسك القيمري الكندي. المتوفى سنة (653هـ - 1255م)، وهو أحد الأمراء الأيوبيين المشهورين وكان ذا ثروة ومال وهيبة واحترام.. وذلك أيام حكم الملك الصالح نجم الدين أيوب بين السنوات (646 – 656هـ/1248 – 1258م)، كما تشير الكتابة المسطرة فوق البيمارستان.
والبيمارستان القيمري من أكمل البيمارستانات الموجودة في العالم الإسلامي من حيث العناصر والوحدات المعمارية... وأنت جالس فيه تشعر بعبق الماضي في كل زاوية وركن وحجر، وممن ولي النظر على البيمارستان القيمري محمد بن قباد المعروف بالسكوني الدمشقي الحنفي، مفتي الشام، وكانت وفاته سنة (1053هـ) وقد خدم فيه من الأطباء: إبراهيم بن اسماعيل بن القاسم بن هبة الله بن المقداد القيسي، المتوفى سنة (741هـ - 1340م).
يقع البيمارستان القيمري أو الصالحية وسط حي الصالحية (القديمة) بجوار جامع الشيخ محيي الدين بن عربي، ومقابل التكية السليمية.
قصة بناء البيمارستان القيمري: يرجع السبب في بنائه إلى أن بانيه الأمير سيف الدين علي بن يوسف القيمري كان قد قدم صداقاً كبيراً لزوجته بنت الأمير عز الدين، فلما توفيت حمل صداقها إلى أبيها، فرفض أخذه، لأن ذلك لا يتوافق مع العادات والتقاليد، فقام سيف الدين بصرف المال كله في بناء البيمارستان.
كما ذكرنا فدمشق تكاد تكون كلها متحفاً حياً ومن الصعب جداً حصر وتعداد جميع الأماكن لذلك سنوفر فيما يلي أهم المعالم السياحية في المدينة بقسميها القديم والحديث.
سور وأبواب دمشق:
بني السور في العهد الروماني بالحجارة الضخمة المدببة وكان مستطيل الشكل وفق التصميم (المعسكر الروماني) وزود بسبعة أبواب وهي: باب شرقي، باب الجابية، باب كيسان، الباب الصغير، باب توما، باب الحبنيق، باب الفراديس، وكانت تنتشر على جوانبه الأعمدة والتماثيل، وأقواس النصر، والقطعة الوحيدة المتبقية من السور إذ حافظت على شكلها القديم هي الممتدة من ياب السلام إلى باب توما ويبلغ طولها حوالي (500) م أما الأبواب فلا يزال معظمها باقياً.
الجامع الأموي:
يقع في قلب المدينة أنشأه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام (705)م وقد استغرق بناء المسجد حوالي عشر سنوات بلغت تكاليفه آنذاك أكثر من 11 مليون دينار ذهبي..
يتميز الجامع بمآذنه الباسقة، كما يتميز بمصلاه وصحنه الواسعين وبجدرانه المغطاة بلوحات الفسيفساء.
ويضم مصلى المسجد ضريحاً فخماً للنبي يحيى (يوحنا المعمدان) الذي بشر بالسيد المسيح وعمده والذي هو موضع تقديس المسيحيين والمسلمين جميعاً.
قصر العظم:
يقع في قلب المدينة وأسواقها ويعتبر نموذجاً باهراً للبيت الدمشقي، بني القصر في منتصف القرن الثامن عشر كمقر لوالي دمشق وتفنن فيه البناؤون والمزخرفون حتى جعلوه خلاصة رائعة للفن الشامي، ويضم القصر متحف الفنون والتقاليد الشعبية.
قلعة دمشق:
هي القلعة الوحيدة في سورية التي بنيت على مستوى المدينة.. أنشأها الحكام السلاجقة عام (1078) م بحجارة سور المدينة لتكون لهم قصراً حصيناً فأحاطوها بالأسوار والأبراج والخنادق وأقاموا في داخلها الدور والحمامات والمساجد والمدارس حتى غدت مدينة داخل مدينة.
الأسواق:
في دمشق أسواق قديمة ذات سقوف لكل منها نكهة تستطيع أن تميزها وأنت تغمض العينين بينما أنت تنساب في عتمتها وسط أريج عطورها وبهارها وتناثر ألوان البضائع على مداخل حوانيتها فتظ أنك دخلت إلى عالم الأساطير حيث السندباد والمهرة من تجار الحكايات..
وأشهر هذه الأسواق.. سوق مدحت باشا.. أو السوق الطويل أنشأه والي دمشق مدحت باشا عام 1878م وهو يعلو الشارع الروماني المستقيم الذي كان يخترق المدينة من باب الجابية إلى الباب الشرقي.
سوق الحرير.. أنشأه درويش باشا عام 1574 ويقع مدخله في آخر سوق الحميدية بالقرب من الجامع الأموي وتشتهر دكاكينه ببيع الأقمشة والمطرزات والعطور.. وفيه عدد من الخانات القديمة.
سوق الخياطين.. أنشأه شمس باشا عام 1553م وسوق البرزورية يقع في وسطه حمام النوري وهو أحد الحمامات العامة المتبقية من مئتي حمام كانت في دمشق منذ القرن الثاني عشر.
إضافة لما ذكرناه فهناك ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي والمدارس الأثرية المجاورة للضريح أبرزها المدرسة الجمقمعية، والمدرسة الظاهرية، والمدرسة العادلية.
إضافة إلى ذلك هناك كنيسة ماربولس وهي قائمة خلف باب كيسان أحد أبواب سور دمشق، ورغم أنها كنيسة حديثة فلها كما لكنيسة حنانيا أهمية خاصة لارتباطها بذكرى القديس بولس.
أهم معالم دمشق الحديثة (خارج السور):
منذ القرن الحادي عشر وبعد أن ضاقت المدينة القديمة بالسكان والعمران، راحت دمشق تتسع شيئاً فشيئاً خارج السور ومن أهم هذه المناطق جاءت الصالحية والعقيبة أو الميدان والمزة، والشيخ محي الدين، والمهاجرين وغيرها وغيرها..
هذه بعض ما من دمشق الفيحاء دمشق الثقافة والنصر الثرية بآيات التوسع والانتشار، وقد سافر اسمك إلى كل المسامع وعلى متن القصائد والتراتيل والأشعار وهكذا من أنجبت (غرناطة الحمراء) التي شهدت نضوجك الريان بعد أن صنعت لنفسك أهراماً من التحضير والبناء والاستنهاض بكيانات الإنسان.. لم يخذلك التاريخ يوماً ولم تهرب من حلبات مجدك أي جياد.. لأنك بقيت ورفاء فيحاء تتربعين عروش الارتقاء، تمنحين البشرية كل النور والحرية وتزرعين غراس التجدد والأمان في سهول الثقافات كلها..
فهنيئاً يا دمشق الشام.. هنيئاً لك وأنت ترمحين بالأصالة والمقاومة في حلبات الصمود.. هنيئاً لك يا دمشق وأنت تعلنين للعالم أجمع أنك والسلام صنوان، أنت والأمن والأمان هما لك رسالة وعنوان.
------------------
مجلة فارس العرب
العدد 152/153
1/12/ 2008