ثمة أمور بديهية في الحياة،
بينها، على سبيل المثال، العمل كقيمة تجسد مكانة صاحبه في مجتمعه وبين أقرانه، وبمقدار ما يرقى الإنسان في هذا الحقل يقترب من المعادلة القائلة إن العمل شرف، والعمل، كما نعلم، هو جزء من شخصية صاحبه لا من شخصه فقط، ذلك لأنه يرتبط به وجوداً عضوياً إن صحّ التعبير، بطريقة أو بأخرى.
وفي اعتقاد البعض من الناس أن العمل يمكن تجريده من معناه خارج سياق النفع العام أي حين يكون لجهة الذات فحسب، ومن هنا يندرج السؤال تراه – العمل يمكن أن يكون مجرد فكرة خالية من مضمونها من غاية تندرج عملياً تحت معادلة التشارك مع الآخر وصولاً إلى هدف ما متفق عليه.
في الحياة، كما ندرك، أكثر من هدف يسعى أحدنا إلى تحقيقه، ولهذا الاعتبار لابدّ أن يعني العمل شيئاً ما له مكانته في سياق الحياة، أي أن يكون له لون من ألوان الجهد البشري، بل أن يكون له مذاق على درب هدف نبيل يسعى الإنسان إلى تحقيقه خلال سنوات عمره قبل أن يمضي إلى دنياه الآخرة، وبالتالي تاركاً بصمة في مجال ما من مجالات التشارك مع الآخر، قريباً كان من موقعه أم بعيداً، لبناء غد الإنسانية في مداراتها الواسعة.
وفي أدبياتنا عموماً غالباً ما نردّد كيف نحقق ذاتنا؟ بمعنى كيف نستطيع الوصول إلى أهدافنا؟ وغالباً، أيضاً، ما نقف حائرين أمام الطريق الذي ينبغي لنا أن نسلكه قبل فوات الوقت. وفي هذه الحالة نكون كمن يركب دراجة في الهواء لا جدوى من دوران عجلاتها مهما بذل من جهد، ومن ثم مع انتقاله إلى العالم الآخر، يكون كمن جاء إلى الحياة ليمارس وظيفة الأكل والشرب وحفظ النسل. ويكون غيابه على نحو انفصال غصن من جذع شجرة لسبب أو لآخر دون أن يعطي ثمراً.
ولهذا نفهم ما عناه ذات مرة المفكر هنري ديف ثورو: "أن يكون المرء فاعلاً في المجتمع، فذلك أمر جيد، ولكن الأهم من هذا، أن يعرف ماذا يريد أن يحقق وإلى أين يريد أن يصل في النهاية".
وفي اعتقادنا أن هذا الفعل، وهذه المعرفة، تشكلان عتبة سرور أمام الإنسان وصولاً إلى تحقيق إنسانيته في خدمة الآخر والذات معاً، لا في خدمة الذات فقط، وبذلك تكتمل معرفته بنفسه وبمن هم حوله، إن مثل هذه المعرفة وحدها هي الغاية في نهاية المطاف لرسم معالم هوية الإنسان لا في زمن حضوره فقط بل حتى في زمن غيابه.
------------------
مجلة فارس العرب
العدد 152/153
1/12/ 2008