أروي لكم الآن قصة سمعتها من شاعر عربي كبير، وهو ذاته سمعها في سهرة خاصة، من شاعرة هندية كانت تحضر معه
أحد المهرجانات الشعرية، ولن أذكر اسم الشاعر العربي، لأني لم أستأذنه في النشر... ولا اسم الشاعرة لأني نسيت اسمها!...
وقد روت الشاعرة الهندية حكاية من حكايات مدينتها الصغيرة، تقول فيها إن شاباً خطب يد فتاة، وكان يتحتم على والد الفتاة أن يسأل عن الخطيب، كما هي العادة، من جهة.. وليطمئن قلبه على مستقبل ابنته من جهة أخرى.
وأي مكان أفضل للسؤال، من حارة الشاب ذاتها؟... وهكذا توجه الوالد، لأجل تلك الغاية نحو بقّال كهل من جيران الخطيب.. وقال له: الشاب فلان الفلاني جاء خاطباً لابنتي... فهل تعرفه؟..
أجاب البقّال: أنا الذي أعرفه تمام المعرفة، فهو يسكن في البناية المواجهة لبقاليتي.. إنه شاب ممتاز وخلوق، وغاية في اللطف، والدماثة.. وقد دأب على إلقاء التحية عليّ عند كل خروج له من البيت، أو إياب إليه.. لقد وقعت يا سيد على جوهرة حقيقية...
وسكت الكهل قليلاً ثم استدرك قائلاً: لولا أن لديه (عادة) صغيرة هي أنه يأكل كميات كبيرة من الفواكه..
أجاب والد الخطيبة: صحتين وعافية.. الفواكه تقوي عضلات القلب، وتطيل الحياة.
تابع البقّال بعد فترة من فرح والد الخطيبة: إنه شاب رائع، وكل ما في سلوكه تمام التمام.. لكنك لم تسألني لماذا يأكل الفتى كثيراً من الفواكه؟..
سأل الرجل: ولماذا يأكل كميات كبيرة من الفواكه؟
أجاب البقال: لأنه يأكل كميات كبيرة من اللحم!..
هتف أبو الخطيبة: عَظَمَة على عَظَمة.. أكل اللحم، يستدعي أكل الفواكه.. وهذا لا يعيبه في شيء...
قال البقال بعد (صفنة) طويلة: لكنك لم تسألني يا سيدي لماذا كان يأكل كميات كبيرة من اللحم؟...
سأل الوالد: لماذا؟..
أجاب البقال: للحقيقة والتاريخ، فإن الولد غاية في التهذيب، لكنه كان يفرط في أكل اللحم لأنه يدخن كثيراً..
قال والد العروس: يا سيدي.. هذه آفة الشباب.. وعلينا أن نسامحهم عليها..
بدا كما لو أن البقال انتهى من الإدلاء بشهادته، ومع ذلك كرّر: إنه شاب ممتاز.. ممتاز للغاية.. وبعد فترة من الصمت، أضاف: لكنك لم تسألني لماذا صهرك المفترض يفرط في التدخين؟!..
قال الوالد: والله لا أعرف..
أجاب البقال: إنه ولد مهذب.. وتمام التمام.. لكنه، للحقيقة، لا يفرط في التدخين إلا حين يشرب الخمرة..
قال الرجل: لعله يشرب بين فترة وأخرى.. وهذا أيضاً من نزوات الشباب.
هزَّ البقال رأسه، وقال: للأسف... إنه يشرب كل يوم... وأرجوك... أرجوك.. لا تسألني لماذا يشرب كل يوم..
قال الرجل: بل لابد من سؤالك كي تكتمل شهادتك عنه.. لماذا يشرب كل يوم، ويضيع نقوده في ما لا ينفع؟..
رفع البقال يديه، كأن يطلب إعفاءه من الجواب.. وكرر: إنه شاب ممتاز.. عريس لقطة.. توكل على الله، واقبل به صهراً لك.. فمحظوظ من يجد عريساً لابنته في هذه الأيام العسيرة..
ألح الرجل: لكنك لم تقل لي لماذا يشرب كل يوم؟..
تلكأ البقال في الجواب. ثم قال: أنت تحرجني بأسئلتك الكثيرة.. ثم انحنى أمام الرجل، وهمس في أذنه: في الحقيقة إنه لا يشرب الخمرة إلا حين يلعب القمار.. لكنه يشرب كل يوم.. كل يوم..
.. والآن عزيزي القارئ.. يمكنك حمل هذه القصة كما تحمل المسطرة.. ومن ثم، قياس.. (بعض الحكايات على بعض الأمور).. من حولك..
وأرجوك. أرجوك.. لا تفكر أني أغمز وألمز من جانب الحكومة.. فأنا مجرد راوي حكايات، ولكل حكاية مسطرة..
وكل مسطرة.. وأنتم بخير...
------------------
مجلة فارس العرب
العدد 152/153
1/12/ 2008