في القديم والحديث، في الماضي والحاضر،
السؤال الجميل الذي كان لا يتعب ولا ينعس بين المحبين وبين الجيران والأصدقاء والأقرباء والأهل والأبناء:
كيف الحال؟ كيف الصحة؟ وكيف الحياة؟ وكيف النية والأمل والحبّ؟ وأحياناً يتطور السؤال ويكبر، ويرتدي (بنطلوناً) وقميصاً من مخمل أو كتان أو حرير، فيصير: كيف القراءةُ؟ وكيف الوطن؟ وكيف الإيمان؟ وكيف الذين تحبُّهم ويصدقونك الحبّ؟
اليوم تعثّر السؤال الطيب الجميل والراقي بخطا حروفه وحفر معانيه، وانقلب إلى سؤال خسيس وبشع ومنحط: كم بيتاً لديك؟ وكم تملك من المال؟ وهل أنت مدير أو قائم على الأمور؟! وهل تستطيع أن تدبِّر وظيفة لهذه وعملاً لذاك وسمسرة لتلك أو لهؤلاء؟! وهل تقبض؟ وكيف حال جيبك أو جيبتك؟! التذكير أو التأنيث يؤكد أن العيوب تحتمل المذكرين والمؤنثين زمانٌ يُحطِّم أبّهاته الراقية، ويبني أبهات الخراب ويُنشئ عمارات هلاك معناه الإنساني الراقي والرشيق.
القرية كانت تفاخر بفلاحيها الجديرين بالحقول وبهجة المواسم وعتاب الاشتياق ونخوة العاطفة وتحطِّيب الأغصان اليابسة والخنوع والضعف من غابات الأعمار.. والمدينة كانت على شيء كثير من أبّهة العلاقات النفسية الباهظة المرهونة للخير وأخلاق الحب والتضحية..
لكلِّ قرية حكاية حبّ وصيف وانتظار ولقاء وغرام لا ينتهي..
القرى والمدن الصغيرة والكبيرة هل اجتهدت في تحطيم مفاهيمها الكريمة، واستعاضت عن ذلك بأن قضمت أفراح وضوحها ونهارات عشاقها وطيِّبيها؟!.
الحوارات الجميلة تحميها النفوس الجميلة واللغة الصادقة الخارجة من القلوب إلى القلوب.. كأن القلوب قدَّمت استقالتها من استثمارات الأشواق الراقية، واعتزلت فنَّ اللهفة وانتظار المحبوبين، وتركت مزاولة النبض العاشق، وهذا ما دمّر القلوب وأفقدها هيبة وهمّة التدفق والجريان والعذوبة فيئست من معنى بقائها وانصرفت إلى الجلطات والتوقف البائس..!!
ودوران الأرض كدوران القلوب كأنَّه توقف عن فنِّ المواسم والاخضرار.. ومع هذا التوقف توقفت إمكانات الحنين والأسئلة النضرة التي تؤدي إلى إجابات مزدهرة..
كيف أحبابك؟ سؤال نضر يؤدي إلى إجابة: الأحباب طيبون وعلى حالة رائعة من الوفاق والمسرّات.
وسؤال: كم بيتاً عندك؟
وهل بمقدورك (تمشية) الوظائف والقبض عليها؟ وهل أنت مدير أو قائم على الأمور، حتى يكون بمستطاعك بناء بيت ضخمٍ كالقصر أو كالقلعة؟
هكذا سؤال مجحفٌ بحقِّ الحياة الحنونة لابدّ أن يلاقي إجابة يابسة ومجحفة بحقِّ النضارة والازدهار الإنساني الحنون.
الأسئلة بأهدافها وإجاباتها، وغالباً تُعبّر عن قلوب وأرواح السائلين.. أسئلة برسم الرضى وثقافة الحبِّ والجمال، تحمي كون الإنسان وقلبه وتؤدي إلى بناء النفس وترميم أوجاعها بالشفاء وعافية الأسى والحنين.
ومن الأسئلة الدارجة هذه الأيام، لسوء الحظ، تؤدي إلى تدمير عمارات الروح وتعطيل جريان القلب وتساوي الإجابات المجحفة بحقِّ الحبِّ والتآلف النبيل.
------------------
مجلة فارس العرب
العدد 152/153
1/12/ 2008