حين كان يتجول في شوارع القاهرة قبل 50 عاماً في انتظار أن يمر الوقت ويحين موعد قطاره المتجه إلى الاسكندرية،
لم يخطر في باله أن الدقائق التالية ستحدد مصيره، وأن لقاء عابراً في مقهى «جروبي» الشهير سيضعه على أول السلم، ليصبح «حدوتة مصرية» تلمس قلب العالم، «الماركة» المسجلة في أسواق الوسامة الطاغية، والتجسيد الحي لحلم الوصول إلى العالمية، والعربي الوحيد الذي ستقف أمامه جميلات هوليوود ويتنافس المنتجون على «اختطافه»!
لم يكن الشاب العابث الذي لا يعرف لحياته هدفاً سوى ركوب الخيل وإدمان لعبة «البريديج» يعرف أن القدر اختار له سيدة الشاشة العربية زوجة، وباريس ولندن محطتين يستريح فيهما في تنقلاته بين مصر وأمريكا، وقطيعة سياسية سيعاقبه العرب بها بسبب قبوله بطولة فيلم «فتاة مرحة»، أمام نجمة يهودية في الوقت الذي شهد وقوع حرب يونيو 1967!
المدهش أن عمر الشريف يعترف ويؤكد أنه لو عاد به الزمن لما ترك فاتن حمامة.
والمدهش أكثر أنه في طفولته
وشبابه عاش حياة تكاد تكون بلا هدف وعبثية.. فهو يحب ركوب الخيل ولعب البريديج ويسهر كثيراً.
كانت البداية مفاجئة له شخصياً.. عندما التقاه المخرج يوسف شاهين وعرض عليه لعب دور بطولة في فيلم «صراع في الوادي» مع نجمة الشاشة فاتن حمامة على الرغم من أنه لم يكن يعلم أي شيء عن التمثيل، فوافق.
وهكذا عاش عمر الشريف روح المجازفة دون تخطيط وأصبح الأمر متوقفاً على قبول أو رفض فاتن حمامة لفكرة أن شاباً مغموراً يقف أمام الكاميرا لأول مرة يشاركها البطولة.. غير أن يوسف شاهين خدع فاتن بأنه طلب من عمر تقديم مشهد اختباري أمامها لجزء من مسرحية هاملت حتى يوحي لها بأنه ممثل مسرحي قدير..
وهكذا كانت البداية دون تخطيط مسبق ودون أي أحلام في هذا المجال.. ثم جاءت الخطوة الثانية وقبوله العمل في الفيلم الأول لم يكن يتوقع الاستمرار في هذا المجال.. ولكن مع نهاية الفيلم ربط الحب بين عمر وفاتن ومع أول قبلة بينه وبينها على الشاشة تغيرت حياته ومستقبله وعرف أنه سيمضي في اتجاه مختلف.
وهكذا أعلن إسلامه وغيرت فاتن اسمه من (ميشيل شلهوب) لعمر الشريف.. وأصبح بين ليلة ويوم زوجاً ثم أباً حيث رزق بطارق، كما كان أباً من اليوم الأول لابنة فاتن ناديا..
يقول عمر الشريف عن قبول عشاق فاتن لزواجها من عمر وخاصة أن إن عبد الحليم حافظ وأم كلثوم كانا يرددان دائماً إن الجمهور يفضل أن يرى نجمه وحيداً دون ارتباط، باعتبار أن الزواج يحد من نجومية الفنان..
يقول عمر:
إنني شاركت فاتن العديد من الأعمال
الفنية أثناء بداياتي مثل «أيامنا الحلوة» و«النهر الخالد» وغيرهما. ولكن في المقابل وفي محاولة لتجنب هذا الاتهام من النقاد والجمهور قدمت العديد من الأفلام بعيداً عنها مثل «في بيتنا رجل» و«صراع في النيل». وكان كل ذلك في سنوات قليلة وكنا نحاول دائماً أن نتجاوز أي صدمات أو انتقادات، وكان البيت مستقراً وهادئاً، ولكن الانفصال جاء بعد ذلك بسنوات طويلة عندما وجدت نفسي أعيش متنقلاً بين لندن وباريس وهوليوود، ومن أجل لقاء لا يتعدى أياماً قليلة كانت غالباً فاتن تسافر إليّ لتحفزني على النجاح والاستمرار وكثيراً ما طلبت منها أن تعيش معي، غير أنه كان من الصعب جداً عليها أن تترك نجاحاتها في مصر، وتعيش بجواري في الظل وشعرت أنني أظلمها فتركتها من أجل أن تعيش حياة طبيعية، ولكن ظل حبي واحترامي لها يملأان قلبي حتى الآن، ولو سألتني: عما إذا كنت نادماً على ما فعلت؟ لقلت: نعم، فلو عاد الآن بي الزمن لما تركت زوجتي وابني لأطارد سراباً طوال عمري، فالعائلة والاستقرار أجمل كثيراً من كل نجاح.
*لكن كيف انتقلت من المحلية للعالمية؟
**كالمعتاد هناك جزء من هذه الشائعات صحيح، لكن الباقي من فيض خيال الصحف، وما حدث هو أنني أثناء تصوير فيلم «المماليك» جاءني تليفون من شخصية لم أسمع بها من قبل وهي «سام سبيجل» وفي هذه المرحلة كنت أنشأت مع فاتن شركة إنتاج مقرها في عمارة الإيموبليا بوسط البلد، وحدد هذا الرجل موعداً للقائي معه، ولم أتردد لأنني توقعت أن يكون موزعاً أو صحفياً، وذهبت بالفعل لفندق مينا هاوس الذي يحمل ذكريات جميلة فهو نفس الفندق الذي قضيت فيه أول أيام زواجي مع فاتن، المهم أنني خلال لقاء سريع جداً عرفت من خلاله أن سام هو منتج الفيلم الأجنبي، «جسر على كيواي». وعلمت منه أنه سيحدد لي موعداً مع المخرج العالمي «ديفيد لين» في صحراء الأردن، لأن هناك دوراً صغيراً في فيلم أجنبي، وهم في حاجة لممثل عربي لأدائه، ومن هنا طلب مني عدداً من الصور الفوتوغرافية ليراها المخرج فأعطيته الصور وإن كنت لم أتحمس للموضوع بسبب ما ذكره عن مساحة الدور، وعدت لتصوير فيلم «المماليك» وأكملت الاستعدادات لتصوير فيلم «شروق وغروب» وهو من إخراج صلاح أبو سيف ومضت أيام لا أعلم عددها حتى جاءتني دعوة للقاء ديفيد لين في صحراء الأردن، فلم أتردد حزمت حقيبة صغيرة لأنني أعلم أن الوقت لن يطول وبالفعل وجدتني أتنقل من طائرة لطائرة حتى وجدت نفسي في صحراء الأردن وهناك وجدت شخصاً ينظر إليّ بتفحص شديد من شعري حتى قدمي دون أن يتكلم كلمة واحدة ولو حتى من باب التعارف، وسار أمامي حتى وصلنا خيمة وسط الصحراء ووضع شارباً على وجهي وأخذ يثبته، ثم وضع لحية ثم طلب مني أن أتبعه حتى وصلنا مكان التصوير وسط الصحراء، وكان المشهد مع الممثل الفرنسي «موريس رينيه»، وانتهى اللقاء دون أي وعود أو تعليق وعدت إلى مصر لأستكمل ما تركت من أعمال، ولكن بعد فترة قصيرة جداً جاءني تليفون يقول لي إنني حصلت على الدور الثاني في فيلم «لورانس العرب»، ووافقت فاتن بل شجعتني على الانطلاق لتأكيد نجاحي بعيداً عن أي شبهة مساعدة من جانبها، وهكذا فتحت لي تلك المكالمة الغامضة أبواب العالمية، ومع نهاية تصوير دوري الذي جسدت فيه شخصية «علي بن خربش» الذي رشحت عنه لجائزة أوسكار أحسن ممثل ثان أخذ حياتي منحى جديداً ومختلفاً، ولكن للأسف جاء ذلك على حساب الاستقرار العائلي.
وحول ترشيحه لجائزة الأوسكار يقول عمر
بالتأكيد ترشيحي للأوسكار كان وراء اختياري للكثير من الأعمال فقد وضعني في صورة جديدة أمام صناع السينما الأجنبية بشكل عام، هذا إلى جانب أنني انخرطت بالفعل في الحياة الاجتماعية اضطراراً وليس انبهاراً، فهناك تقاليد وحفلات كثيرة صاحبت نجاح الفيلم حيث إنه طبقاً للبروتوكول المتبع كان يجب علي أن أحضر العديد من الحفلات الدورية التي تقام سواء للترحيب أو للتعريف أو التكريم، وكل ذلك كان له أكبر الأثر في انتشاري في الوسط بسهولة، وخصوصاً أنني أحب أن أعيش وسط الناس وليس بشكل فردي وأفضل أن تكون حياتي اجتماعية وليس للعمل فقط فأنا أعشق الترفيه وممارسة الهوايات، وفي إحدى الحفلات قامت صديقة بتعريفي على صاحب شركة الإنتاج السينمائي «كولومبيا» ووقعت معه أول عقد احتكار لمدة سبع سنوات، وكان أجري في تلك المرحلة خمسة عشرة ألفاً من الدولارات عن كل دور أقدمه، ورغم سعادتي في البداية بتوقيع هذا العقد إلا أنه أضر بي تماماً فقد انتهى وعمري سبعة وثلاثون عاماً.
*وعن أبرز أفلام تلك الفترة يقول:
**قدمت في تلك الأعوام العديد من الأفلام منها «جنكيز خان» أمام الممثلة فرانسوا دورليك، أيضاً قدمت دور الكاهن في فيلم جمعني بالمخرج فريد ذينمان وأنتوني كوين وجريجوري بيك، وكانت كل هذه الأعمال تعزز الخبرة ولكنها لا تفتح مجالاً فشعرت أنه أول مخرج يضع يده على مفاتيح أدائي السينمائي، وكان لقاء محيراً فقد طلب مني قراءة قصة «دكتور زيفاجو» وقرأتها جيداً وركزت على جميع الأدوار فيما عدا دور البطل، وعندما عدت إليه بعد القراءة سألني عن رأيي فقلت له إنها قصة رائعة ثم عاد ليسألني عن «دكتور زيفاجو» فلم أصدق ولذت بالصمت ورشحني ديفيد مرة أخرى لأصبح بطل فيلم «دكتور زيفاجو» أمام جولي كرستي وجيرالد شابلن، «ويبتسم عمر وكأنه عاد بذاكرته لهذا الحدث» ويقول: وكانت هذه هي الانطلاقة الحقيقية التي نقلتني لعالم هوليوود، بل وأصبحت من سكان بيفرلي هيلز حيث يعيش كبار النجوم.
حول انفصال عمر عمر عن فاتن قال عمر:
أصبحت أشفق على فاتن من هذه الزيجة التي استمرت أربعة عشر عاماً، عشنا أكثر من نصفها وكل منا في مكان، وشعرت أنني أصبحت زوجاً عابراً في حياتها، ولما كان من الصعب أن تلحق بي وتعيش معي كان القرار بأن أعطيها حريتها من أجل أن تعيش حياة أكثر استقراراً مع أي أحد غيري، وكما أقول دائماً وبصراحة لو عاد بين الزمن للوراء وأتيح لي أن أختار بين استقراري وشهرتي لاخترت استقراري الذي أفتقده الآن، لكنني عموماً عشت حياة طويلة مع البريديج وتربية الخيول التي مازلت أملك منها تسعة رؤوس فقط في لندن، ويجب أن أعترف أنني شديد الضعف أمام لندن، فرغم أنني عشت حياة بيفرلي هيلز إلا أنني أحب الحياة في لندن أكثر وأحرص على اقتناء هذه الخيول رغم أنها لا تكسب.
وحول المقاطعة العربية لعمر الشريف قال:
الكلام ده كان سنة 1967 وكان بعد فيلم «فتاة مرحة» بطولة باربارا سترايسند، وكان الحديث والنقد كله يدور حول فكرة كيف لممثل مصري أن يقف أمام ممثلة يهودية في هذا التوقيت، واندهشت لأن هذه الممثلة ليس لها أي اتصال على حد علمي بإسرائيل فهي تعيش وتعمل في السينما العالمية مثلما فعلت أنا تماماً، ثانياً صناعة السينما في الغرب مختلفة شكلاً ومضموناً، فهناك مدير أعمال لابد أن يوافق على كل شيء وأنا أقرأ العمل وأحصل على نقودي فقط، ولكن من الصعب أن تعلم كل شيء عن العمل، وخاصة في هذا العمل فلم أكن أعرف من هي البطلة حتى قبل بدء التصوير بخمسة أيام، ورغم كل هذه المبررات التي سقتها، فإن ذلك لم يشفع لي، ووقعت القطيعة، فقدمت الجزء الثاني باسم «امرأة مرحة» ثم بدأت التنقل ما بين لندن وباريس وقدمت خلال هذه المرحلة العديد من الأفلام، منها «السطو» مع الفنان الفرنسي جان بول بلموندو، وفيلم «الفدية الأخيرة»، «رصاصة بالتيمور» ثم جاء «حوار الحب»، «الحصان الأبيض» «الخريف»، «الموعد»، «أكثر من معجزة»، وعدت للقاء جميلة إيطاليا صوفيا لورين من خلال فيلم «ثمار التمر الهندي»، ورغم مقاطعتي من قبل مصر إلا أنني كنت على اتصال دائم بأصدقائي في القاهرة، وأذكر أنني سجلت مسلسلين للإذاعة المصرية آنذاك مع المخرج المرحوم محمد علواني، هما «أنف وثلاثة عيون» و«الحب الضائع» حيث سجلت دوري وحدي في لندن وقام علوان بالمكساج في القاهرة مع باقي الأبطال، ولم أزر مصر إلى عام 1979، وكان ذلك من خلال دعوة من الرئيس أنور السادات فهو كان رجل سلام وتسامح، وتمنيت معه أن يتم السلام ما بين شعوب العالم، وللأسف بعد هذه الزيارة حدثت وقيعة أخرى بسبب فيلم «أشانتي» الذي صور في صحراء النقب في فلسطين ويتعرض للعرب بالنقد، وفي الحقيقة أنني وقعت عقد هذا الفيلم دون قراءة مسبقة، لأنني كنت في أزمة مالية وطلبت من مدير أعمالي أن يبحث لي عن عمل وكان الاتفاق في البداية على التصوير في صحراء المغرب، وعندما قرأت النص ووجدت ما فيه حاولت الاعتذار عن الدور، وأيضاً الاعتذار عن التصوير في النقب، ولكن المنتج رفض وإلا اضطررت لدفع تعويض ضخم، وكان هناك حل وسط وافقت أنا والمنتج عليه هو أن أقدم دوراً صغيراً بدلاً من الدور الرئيسي حتى يستطيع المنتج وضع اسمي على الفيلم.
*رغم نجاح «أيوب» في إعادة عمر الشريف للسينما العربية، فقد كانت هناك انتقادات للفيلم، يقول عمر:
**عندما طلبت مني هاني لاشين وممدوح الليثي أن أقدم فيلماً من خلال التلفزيون باسم «أيوب» لم أتردد بعد أن قرأت العمل، إلا أن هناك أصواتاً كثيرة انتقدت عودتي من خلال التلفزيون ومن خلال مخرج شاب لم يقدم أعمالاً سابقة، وكان ردي أنني تعاملت مع هاني من خلال فيلم تسجيلي سابق عن مصر، كما أنني أشجع وأفضل التعامل مع الشباب، أما جهة الإنتاج فلا تهم خاصة إذا كان السيناريو جيداً وبالفعل لم يخب ظني في هاني وحصدنا العديد من الجوائز، وعدت لأقدم فيلماً آخر مع هاني أيضاً هو «الأرجوز» الذي حصد العديد من الجوائز أيضاً، ولن أنسى بالطبع التعليق المؤلم للصحف المصرية التي قالت إنني أعلنت إفلاسي الفني في الخارج لذلك عدت للعمل في مصر، ولكن كل ذلك لم يؤثر في علاقتي بمصر والمصريين.
وعن تجربة عمر في المسرح يقول:
**لم أسقط المسرح من حساباتي فهو تجربة ممتعة عشتها في مسرح «الهاي ماركت» بلندن، حيث قدمنا عملاً يحمل اسم «الأمير النائم» وقد كتب خصيصاً لي، وبصراحة هذا العمل أعاد لي الحيوية والشباب، لأنه كوميدي وخفيف وهذه النوعية من الأعمال تستهويني، وظللنا نقدم «الأمير النائم» على المسرح لمدة ستة أشهر متوالية في الفترة ما بين فيلم «أيوب» و«الأرجوز».
-----------------
القاهرة : رانيا شوقي عبد الحميد
------------------
مجلة فارس العرب
العدد 152/153
1/12/ 2008